أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

124

التوحيد

السواتر المانعة عن الإحاطة بالأشياء ، ثم بمصالح أنفسهم التي في ذلك جلّ كدّهم ، وجهدوا لعلموا أن الجهل هو الذي سدّهم عن إدراك الحكمة في ذلك ، وأحق الناس بهذا هم ؛ إذ زعموا أن العالم إنما هو امتزاج النور والظلمة ، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة ، والظلمة هي السّاترة ثم هي القاهرة للنور ، فما من خير يرجى بدؤه منه إلا والظلمة تقهره وتستره عن التجلي لأهل المذهب ، فأنى لهم والعلم والوقوف على طريق الحكمة ، حتى يدّعون في الآخر دعوى بشر . والعجب أن نورهم - مع قيامه بنفسه وصفائه عن شوائب الظلمة - لم يعلم ما عليه الامتزاج من الضنك والضيق ومن الجهل والعجز ، ثم يرجى بجزء منه عند خروجه عن جوهره ووقوعه في يدي عدوه أنه يطلقه ، على الحكمة التي لم يبلغها هو عند تمامه ، وأحقّ من لا يدّعي الحكمة ولا يناظر أهلها ولا يشرع فيها التنوي ؛ لأنه يرجع إلى جوهرين عند نفسه : شر وخير ، وكذا كل أحد عنده . وأما إن كان الشّرع فيها بجوهر النور وكذلك من يكلمه فيها ، فهما عندهم حكيمان لا يخفى عليهما شيء ، لا معنى لكليهما ، وهما بأنفسهما ذلك ، أو جوهر الظلمة ، ومحال احتمالهما الحكمة ، أو أحدهما جوهر النور والآخر هي الظلمة ، لا يحتمل ذا الجهل ولا الآخر العلم ، فيكون التكلم عبثا لا معنى له ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : ثم الأصل أن من يفعل فعلا لا ينتفع هو به لهلاكه وفنائه أنه عائب ، واللّه سبحانه لم يكن لينتفع بما ينشئه لتعاليه عن الحاجات وغناه بنفسه عن غيره ، فيبطل أن يكون فعله لينتفع به هو ، ثم لو كان للهلاك لا غير لكان لا معنى لخلقه ، فثبت أن خلق العالم للعواقب ، ثم خلق خلائق لم يجعل عندها تمييزا ولا إدراكا لعواقب الأمر ، ثبت أنه خلقهم لا لأنفسهم ، وخلق خلقا يعرفون ذلك ويطلبون بجميع صنيعهم نفع العواقب حتى من خرج فعله عن ذلك ؛ إذ هو محتاج كل غير ، حكيم في فعله ، فلزمت محبتهم لئلا يضيع نعم المنشئ فيهم من العقول التي يدركون بها العواقب ، ولأنهم لو تركوا وتدبيرهم لم يكونوا يرضون من أنفسهم التقلب فيما لا يؤثر نفعا ولا يعقبه حمدا ، ومن تعاطى منهم مثله فهو سفيه جاهل . وإذا لزم ما ذكرنا لزم في الحكمة خلق الضار والنافع ، وخلق الجوهر المحتمل للألم واللذة وإنشاء الآلام والملاذ ؛ ليعلموا ما يرغب إليه الأنفس وما تهرب منه ، فيحذرون ويرغبون بمثله فيما امتحنوا به ؛ وليعلموا النفع من الضرر الذي لولا ذلك لم يكن لخلقهم معنى ، فخلقهم اللّه على ما خلق من الاختلاف لهذين السببين . ثم بلطفه خلق كل جوهر محتملا للنفع والضرر ، يحل به لغيره ، وأوصل منفعة كل جوهر بغيره من الجواهر التي فيها المضار ؛ ليعلم الناظرون أن مدبر ذلك كله واحد ، وأنه لو كان من مختلف